ابن عجيبة
36
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فيقطع يده اليمنى ورجله اليسرى ، وإن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى ، وقطع اليد من الرسغ ، والرجل من المفصل كالسرقة ، أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ أي : ينفوا من بلد إلى بلد ، ويسجنوا فيه حتى تظهر توبتهم . وقال أبو حنيفة : يسجن في البلد بعينه . ومذهب مالك : أن الإمام مخير في المحارب بين ما تقدم ، إلا أنه قال : إن كان قتل فلا بد من قتله ، وإن لم يقتل فالأحسن أن يؤخذ فيه بأيسر العقاب . أولئك المحاربون لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا : ذل وفضيحة ، وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ لعظم ذنوبهم . ظاهره أن العقوبة في الدنيا لا تكون كفارة للمحاربين بخلاف سائر الحدود . ويحتمل أن يكون الخزي في الدنيا لمن عوقب ، وفي الآخرة لمن لم يعاقب ، إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ بأن جاءوا تائبين فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، فيسقط عنهم حكم الحرابة ، واختلف : هل يطالب بما عليه من حقوق الناس كالدماء أم لا ؟ فقال الشافعي : يسقط عنه بالتوبة حد الحرابة ، ولا يسقط حقوق بني آدم ، وقال مالك : يسقط عنه جميع ذلك ، إلا أن يوجد معه مال رجل بعينه ، فيردّ إلى صاحبه ، أو يطلبه ولى دم بدم تقوم البينة فيه ، فيقاد به ، وأما الدماء والأموال التي لم يطالب بها ، فلا يتبعه الإمام بشئ منها . وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة ، يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد ، وإن أسقطت العذاب ، والآية في قطّاع المسلمين ؛ لأن توبة المشرك تدرا عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها . ه . قاله البيضاوي . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : فرق كبير بين من يرجع إلى اللّه بملاطفة الإحسان ، وبين من يقاد إليه بسلاسل الامتحان ، هؤلاء المحاربون لم يرجعوا إلى اللّه حتى أخذوا وقتلوا وصلبوا أو قطعت أيديهم وأرجلهم . وإن رجعوا إليه اختيارا قبلهم ، وتاب عليهم ورحمهم وتعطف عليهم ، وكذلك العباد : من رجع إلى اللّه قبل هجوم منيته قبله وتاب عليه ، وإن جد في الطاعة قرّبه وأدناه ، وإن تقدمت له جنايات ، وقد خرج من اللصوص كثير من الخصوص ، كالفضيل ، وابن أدهم ، وغيرهما ، ممن لا يحصى ، سبقت لهم العناية فلم تضرهم الجناية . وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم حضّ على التقوى التي هي مجمع الخير والفوز من كل شر ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 35 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 35 ) يقول الحق جل جلاله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ، ولا تسلكوا سبيل بني إسرائيل الذين جاءتهم الرسل ، فعصوا وأفسدوا وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ أي : اطلبوا ما تتوسلون به إلى رضوانه ، والقرب من جناب قدسه